ابن تيميه
101
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
[ الصافات : 119 ، 120 ] . وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ [ الصافات : 129 ، 130 ] . والمقصود هنا ؛ أن هذا السلام المأمور به خصوصا هو المشروع في الصلاة وغيرها عموما على كل عبد صالح ، كقول المصلي : « السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين » . فإن هذا ثابت في التشهدات المروية عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم كلها ، مثل حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين ، وحديث أبي موسى ، وابن عباس ، اللّذين رواهما مسلم ، وحديث ابن عمر ، وعائشة ، وجابر ، وغيرهم ، التي في المساند والسنن « 1 » . وهذا السلام لا يقتضي ردا من المسلم عليه ، بل هو بمنزلة دعاء المؤمن للمؤمنين واستغفاره لهم ، فيه الأجر والثواب من اللّه ، وليس على المدعو لهم مثل ذلك الدعاء ، بخلاف سلام التحية ؛ فإنه مشروع بالنص والإجماع في حق كل مسلم ، وعلى المسلّم عليه أن يردّ السلام ولو كان المسلّم عليه كافرا ، فإن هذا من العدل الواجب ، ولهذا كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم يرد على اليهود إذا سلموا عليه بقوله : « وعليكم » « 2 » . وإذا سلّم على معيّن تعيّن الرد « 3 » ، وإذا سلّم على الجماعة ؛ فهل ردّهم فرض على الأعيان أو على الكفاية ؟ على قولين مشهورين لأهل العلم « 4 » . والابتداء به عند اللقاء سنة مؤكدة ، وهل هي واجبة ؟ على قولين معروفين وهما قولان في مذهب أحمد وغيره « 5 » . وسلام الزائر للقبر على الميت المؤمن هو من هذا الباب ، ولهذا روي أن الميت
--> ( 1 ) انظرها في « صفة صلاة النبي صلى اللّه عليه وسلّم » لمحدث العصر العلامة محمد ناصر الدين الألباني - رحمه اللّه - . ( 2 ) انظر « صحيح البخاري » ( 6256 ، 6257 ، 6258 ، 6928 ) و « صحيح مسلم » ( 2163 ) . ( 3 ) دليل ذلك قوله تعالى : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها [ النساء : 86 ] . ومن السنة : حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « خمس تجب للمسلم على أخيه : رد السلام ، وتشميت العاطس ، وإجابة الدعوة ، وعيادة المريض ، واتباع الجنائز » . أخرجه مسلم ( 2162 ) . ولإجماع الأمة على ذلك ، كما حكاه « ابن العربي » في « أحكام القرآن » ( 1 / 467 ) والقرطبي في « تفسيره » ( 5 / 298 ) والحافظ ابن حجر في « فتح الباري » ( 11 / 6 ) . وانظر « شرح صحيح مسلم » للنووي ( 14 / 140 ) و « نهاية المحتاج » ( 8 / 47 ) . ( 4 ) قال الإمام النووي في « شرحه على مسلم » ( 14 / 140 ) : « وإن كانوا جماعة ؛ كان رد السلام فرض كفاية عليهم ، فإن ردّ واحد منهم سقط الحرج عن الباقين ، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم ، وإن ردّوا كلهم فهو النهاية في الكمال والفضيلة » . ولتفصيل المسألة ؛ انظر « فتح السلام في أحكام السلام » لمساعد بن قاسم الفالح ، نشر مكتبة العبيكان بالرياض - ص 29 - 42 . ( 5 ) انظر « فتح السلام » ص 29 . وانظر « الجامع لأحكام القرآن » للقرطبي ( 5 / 298 ) حيث نقل الإجماع على أن الابتداء بالسلام سنة مرغّب فيها . وكذلك النووي ذهب إلى هذا في « شرح مسلم » و « الأذكار » . وحكاه الحافظ في « الفتح » ( 11 / 4 ) أيضا .